الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
535
مرآة الحقائق
--> - ذلك مولانا جلّ جلاله في كتابه العزيز الذي أتى إليه بالخيرات ركوعا وسجودا . فخطاب نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسرا : 79 ] . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذه الآية ، قال : « هي الشفاعة » ( 1 ) . وروى كعب بن مالك ، عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تلّ ، ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء اللّه أن أقول ، فذلك المقام المحمود » ( 1 ) . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « المقام المحمود هو قيامه عليه السّلام عن يمين العرش مقاما لا يقومه غيره ، فيغبطه فيه الأولون والآخرون » . وبالجملة فالمقام المحمود هو : كل مقام عظيم لا يناله أحد من مخلوقات اللّه ، وإنما خصّ اللّه تعالى به نبي اللّه ، وحبيب اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . والأحاديث أكثرها دال على أن المقام المحمود هو : شفاعته العظمى لأهل المحشر في يوم لا مانع فيه ولا وزر . وقد روي في بعض الآثار : إنّه إذا كان يوم القيامة ينصب كرسي عن يمين العرش من نور ، وينصب كرسي من نور عن يسار العرش ، وينصب كرسي من نور أمام العرش ، فيقعد نبينا وحبيبنا ، ومولانا ، محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عن يمين العرش ، ويقعد إبراهيم الخليل عن يسار العرش ، ويقعد أبو بكر أمام العرش ، ويأذن اللّه عزّ وجلّ في النظر إليه ، فينظرون إلى اللّه عزّ وجلّ وينظر إليهم . ثم ينادي مناد : يا لك من صدّيق بين خليل وحبيب . فهذا أيها المحبّون مقام نبينا المحمود ، وهذه منزلته عند الملك الإله المعبود ، وإياكم رحمكم اللّه أن يخطر ببالكم بما لا يليق بربي ، وربكم من الجهة ، والكيف ، والمكان ، والآن ، والزمان ؛ فإنه سبحانه قديم أزلي لا يشبهه شيء من المخلوقات ، ولا يشبه شيئا منها في جميع موجوداته . فالعرش والكرسي : خلق من خلقه ، كان اللّه ولا شيء معه في أزله فهو الأزلي على أزليّته ، لا يتبدّل ، ولا يتغير ، ولا ينتقل من مكان ، ولا يحلّ في جهة ولا يتقدّر . ولكن لما كان العرش أعظم المخلوقات وحفّت به ملائكة اللّه من جميع الجهات ، ولا يصل إليه إلّا من اختاره اللّه من البريات ، ولم يكن في الوجود عند اللّه أكرم ، ولا أعظم من رسول اللّه ، فذكر ذلك ؛ لمنزلة العزيز القدر عند اللّه . والنظر إلى مولانا ، ورؤيته جائزة عند أهل الحق ، كما يجب للكبير المتعال من نفي الجهة ، والمكان ، والعلو ، واليمين ، والشمال ؛ بل يرى سبحانه بالأبصار رؤية حقيقيّة يستحيل فيها المقابلة والجهة ، يتعالى عن ذلك الملك القهّار . وإذا سمعتم شيئا من ذلك فقولوا : آمنّا باللّه وبما جاء عن اللّه على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . -